كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيم بِالظَّالِمِينَ}.
قال: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ف {أنْ} هاهنا زائدة كما زيدت بعد فلما ولَما ولَوْ فهي تزاد في هذا المعنى كثيرا. ومعناه وَمالنَا لا نُقَاتِلُ فأعملَ أَنْ وهي زائدة كما قال: ما أَتاني منْ أحَدٍ فأعمل من وهي زائدة قال الفرزدق: من البسيط وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المئة:
لَوْ لَمْ تَكُن غَطَفان لا ذُنُوب لَها ** إليَّ لامَتْ ذَوو أَحْسابِها عُمَرَا

المعنى: لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفان لَها ذُنُوب. ولا زائدة وأعملها.
{وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَة مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّة مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ}.
قال: {فِيهِ سَكِينَة مِّن رَّبِّكُمْ}. والسَّكِينَةُ هي: الوَقارُ. وأَما الحديدُ فهو: السِّكِّينُ، مشدد الكاف. وقال بعضهم: هي السِّكِّينُ مثلها في التشديد إلا أَنَّها مؤنثة فأنث. والتأنيث ليس بالمعروف وبنو قُشير يقولون: سِخِّين للسكين. وقال: {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا}.
{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ولكنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
قال: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} فنصبت: {النَّاسَ} على ايقاعك الفعل بهم ثم أبدلت منهم: {بَعْضَهُمْ} للتفسير.
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ولكنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ ولكنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.
قال: {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} أي كلمه الله فلفظ الجلالة في ذا الموضع رفع.
وقال: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} أي رفع الله بعضهم درجات.
{اللَّهُ لاَ اله إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَة وَلاَ نَوْم لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.
قال: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَة وَلاَ نَوْم} تقول: وسِنُ يوسَنُ سِنَّة ووَسَنًا وقال: {وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} لأنه من آدُه يَئُودُهُ أَوْدًا وتفسيره: لا يُثْقِلُهُ.
{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيع عَلِيم}.
قال: {قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} وإن شئت: {الرَّشَدُ من الغَيِّ} مضمومة ومفتوحة.
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤهُمُ الطَّاغُوتُ} جماعة في المعنى وهو في اللفظ واحد وقد جمع فقالوا الطَواغيتُ.
وأما قوله: {يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} فيقول: يَحْكُم بأنَّهم كذاك كما تقول: قَدْ أَخْرَجُك الله من ذا الأمر ولم تكن فيه قط. وتقول: أَخْرَجَنِي فُلانُ من الكِتْبَةِ ولم تكن فيها قط. أي: لَمْ يجعَلْني من أهلها ولا فيها.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
قال: {فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ} أي: بَهَتَهُ ابراهيمُ و: {بُهِتَ} أجود وأكثر.
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَاذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مائة عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مائة عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}.
قال: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} الكاف زائدة والمعنى- والله أعلم-: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ} [258]: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} والكاف زائدة. وفي كتاب الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء} يقول: لَيْسَ كَهُو لأنَّ الله ليس له مِثْل.
وقال: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} فتثبت الهاء للسكوت واذا وصلت حذفتها مثل: {إخْشَهْ}. وأثبتها بعضهم في الوصل فقال: {لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ} فجعل الهاء من الاصل وذلك في المعنى: لم تمرر عليه السنون فالسَّنَةُ منهم من يجعلها من الواو فيقول: سُنَيَّة ومنهم من يجعلها من الهاء فيقول: سُنَيْهَة يجعل الذي ذهب منها هاء كأنه أبدلها من الواو كما قالوا: أَسْنَتُوا: إذا أصابتهم السنون. أبدل التاء من الهاء ويقولون: بِعْتُه مُساناةً ومُسانَهَةً. ويكون: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} أن تكون هذه الهاء للسكوت. ويُحْمَلُ قول الذين وصلوا بالهاء على الوقف الخفي وبالهاء نقرأ في الوصل.
وقال: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} من نَشَرْتُ التي هي ضدُّ طَوَيْتُ وقال بعضهم: {نُنْشِزُها} لأنه قد تجتمع فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ كثيرًا في معنى واحد تقول: صَدَدْتُ وأَصْدَدْتُ وقد قال: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ} وقال بعضهم: {نُنْشِرُها} أي: نَرْفعها. تقول: نَشَزَ هذا وأَنْشَزْتُهُ.
وقال: {أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} إذا عَنَى نفسه. وقال بعضهم: {قال اعْلَمْ} جزم على الأمر كما يقول: اعْلَمْ أَنَّه قَدْ كان كذا وكذا كأنه يقول ذاك لغيره وإنما ينبه نفسه والجزم أجود في المعنى إلا أنه أقل في القراءة والرفع قراءة العامة وبه نقرأ.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيز حَكِيم}.
اما قوله: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} فلم يكن ذلك شكا منه ولم يُرِد. به رؤية القلب وإنما أراد به رؤية العين.
وقوله الله عز وجل له: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} يقول: أَلَسْتَ قَدْ صدقت أَيْ: أنت كذاك. قال الشاعر: من الوافر وهو الشاهد الثالث والثلاثون:
أَلَسْتُمْ خيرَ مَنْ رَكِبَ المطَايا ** وَأَنْدى العالمِينَ بُطُونَ راحِ

وقوله: {لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أي: قلبي ينازعني إلى النظر فإذا نظرت اطمأن قلبي.
قال: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي: قَطِّعْهُنَّ وتقول منها: صارَ يَصُورُ. وقال بعضهم: {فَصُرْهُنَّ} فجعلها من صارَ يَصِيرُ وقال: {إِلَيْكَ} لأنه يريد: خُذْ أربعةً إليكَ فَصرهُنَّ.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وَابِل فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
قال: {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} والواحدة صَفْوانة. ومنهم من يجعل الصَّفْوان واحدا فيجعله: الحجر. ومن جعله جميعا جعله: الحِجارَةَ مثل: التَمْرَةِ والتَمْر. وقد قالوا الكَذَّانِ: الكَذَّانَةُ وهو شبه الحجر من الطين.
{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِل فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِل فَطَلّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}.
قال: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} وقال بعضهم: {بِرَبْوة} و: {بِرِبْوة} و: {بِرِباوة} و: {بِرَباوة} كلّ من لغات العرب وهو كله من الرابية وفعله: رَبا يَرْبو.
قال: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} وقال: {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} والأُكْلُ: هو: ما يؤكل. والأَكْلُ هو الفعل الذي يكون منك. تقول: أَكَلْتُ أَكْلًا وأَكَلْت أَكْلَةً واحدةً واذا عَنَيْتَ الطعام قلت: أُكْلَةً واحدةً. قال: من الطويل وهو الشاهد الثامن والأربعون بعد المئة:
ما أَكْلَة أَكَلْتُها بِغنيمَةٍ ** ولا جَوْعَة أنْ جَعْتُها بِغَرامِ

ففتح الألف لأنه يعني الفعل. ويدلك عليه وَلا جَوْعَة وإن شئت ضممت الأكْلَةَ وعنيت به الطعام.
وقال: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِل فَطَلّ}.
وتقول في الوابِل وهو: المطرُ الشَديد: وَبَلَتْ السماء وأَوْبَلَتْ مثل مَطَرَتْ وأَمْطَرَتْ، وطَلَّتْ وأَطَلَّتْ من الطَلّ، وغاثَتْ وأَغاثَتْ من الغَيْث. وتقول: وُبِلَتْ الأرض فهي مَوْبُولَة مثل وُثِئَتْ رِجْلُهُ ولا يكون وَبَلَتْ وقوله: {أَخْذًا وَبِيلا} من ذا يعني: شديدا.
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّة مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّة ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَار فِيهِ نَار فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.
قال: {لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّة ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَار فِيهِ نَار فَاحْتَرَقَتْ} وقال في موضع آخر: {ذُرِّيَّةً ضِعافًا} وكلّ سواء لأنك تقول: ظَريف وظِراف وظُرَفاءُ وهكذا جمع فَعِيل.
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِع عَلِيم}.
قال: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} وقال بعضهم: {الفُقْر} مثل: الضَعْف والضُعْف وجعل يَعِدُ متعديًا إلى مفعولين.
{وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.
قال: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} تحمل الكلام على الآخر كما قال: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا}. وإن شئت جعلت تذكير هذا على الكَسْب في المعنى كما قال: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْر لَّكُمْ} [271] يقول: فالإِيْتاءُ خَيْر لَكُمْ والإِخْفاء. وقوله: {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} فهذا على: {ما}. وقوله: {أَوْ نَذَرْتُمْ} تقول: نَذَرَ يَنْذُرُ على نفْسِهِ نَذْرًا ونَذَرْتُ مالي فأَنَا أَنْذَرُهُ نَذْرًا أخبرنا بذلك يونس عن العرب وفي كتاب الله عز وجل: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا}. قال الشاعر: من مجزوء الكامل وهو الشاهد التاسع والأربعون بعد المئة:
هُمْ يَنْذُرُونَ دَمي وَأَنْذُرُ أَنْ ** لَقِيتُ بأَنْ أَشُدَّا

وقال عنترة: من الكامل وهو الشاهد الخمسون بعد المئة:
الشاتِمِيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمُهما ** وَالنَّاذِرَيْنِ إذا لَمْ الْقَهُما دَمِي

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْف عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} وقال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْف عَلَيْهِمْ} فجعل الخبر بالفاء إذ كان الاسم الذي وصلته فعل لأنه في معنى من. ومن يكون جوابها بالفاء في المجازاة لأن معناها من ينفق ماله فله كذا. وقال: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّار فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} وقال: {وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} وهذا في القرآن والكلام كثير ومثله الذي يأتينا فله درهم.
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}.
قال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ} تقول: قَدْ أَذِنْتُ مِنْكَ بِحَرْبٍ وهو يَأْذَنُ.
وقال: {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}. وقال بعضهم: {لا تُظْلَمُونَ ولا تَظْلِمون} كله سواء في المعنى.
{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَة إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْر لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
قال: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَة إِلَى مَيْسَرَةٍ} يقول: وإن كانَ مِمَّن تُقاضُونَ ذو عسرة فعليكم أن تنظروا إلى الميسرة وقال بعضهم: {فَنَظْرَة} وإن شئت لم تجعل لكان خبرا مضمرا وجعلت كان بمنزلة: وَقَعَ وقال بعضهم: {مَيْسُرِهِ} وليست بجائزة لأنه ليس في الكلام مَفْعُل. ولو قرؤها: {مُوسَرِهِ} جاز لأنه من أيْسَرَ مثل: أدْخَلَ فهُو مُدْخَل. وقال بعضهم: {فَناظِرْهُ إلى مَيْسَرَةٍ} و: {مَيْسَرَةٍ} فجعلها فاعِلْ من نَاظَرَ وجزمها للامر.
وقال: {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْر لَّكُمْ} يقول: الصَدَقَةُ خَيْر لَكُمْ. جعل: {أَنْ تَصَدَّقُواْ} اسما مبتدأ وجعل: {خَيْر لَّكُمْ} خبر المبتدأ.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِب بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِب أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِب وَلاَ شَهِيد وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوق بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}.
قال: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} أيْ: إنْ لَمْ يَكُنْ الشَهِيدانِ رَجُلَيْنِ.: {فَرَجُل وَامْرَأَتَانِ} فالذي يُسْتَشْهَدُ رَجُل وامرأتان.
وقال: {وَلاَ تَسْأَمُواْ} لأنها من سَئِمْتُ تَسْأَمُ سَآمةً وسَأْمَةً وسَآمًا وسَأْمًا.
وقال: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ} جزم لأنه نهي واذا وقفت قلت يَأْبَ فتقف بغير ياء.
وقال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَة حَاضِرَة} أي تَقَعُ تِجَارَة حاضِرة. وقد يكون فيها النصب على ضمير الاسم إلاّ أنْ تَكُونَ تلكَ تِجارةً.
وقال: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِب وَلاَ شَهِيد} على النهي والرفع على الخبر. وهو مثل: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَة بِوَلَدِهَا} إلاّ إنَهُ لَمْ يُقْرأ: {لا تُضارُّ} رفعا.
وقوله: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} فقوله: {بِدَيْنٍ} تأكيد نحو قوله: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} لأنَّكَ تقول: تَدايَنَّا فيدل على قولك بِدَيْنٍ قال الشاعر: من الرجز وهو الشاهد الحادي والخمسون بعد المئة:
دَايَنْتُ أَرْوَى والدُّيونُ تُقْضَى ** فَمَطَلَتْ بَعْضًا وَأَدَّتْ بَعْضَا

تقوله: دَايَنْتُها ودايَنَتْنِي فقد تَدايَنَّا كما تقول: قابَلْتُها وقَابَلَتْنِي فقد تَقَابَلْنا.
وقال: {أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} فأضمر الشاهد. وقال: {إِلَى أَجَلِهِ} إلى الاجل الذي تجوز فيه شهادته والله أعلم.
{وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَان مَّقْبُوضَة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِم قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم}.
قال: {فَرِهَان مَّقْبُوضَة} تقول: رَهْن، ورِهان مثل: حَبْل وحِبال. وقال أبو عمرو: فَرُهُن وهي قبيحة لأنَّ فَعْلًا لا يجمع على فُعُل إلا قليلًا شاذًا، زعم أنهم يقولون: سَقْف وسُقُف وقرأوا هذه الآية: {سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ} وقالوا: قَلْب وقُلُب وقَلْب من قَلْبِ النَّخْلَةٍ ولَحْد ولُحُد للَحْدِ القَبْرِ وهذا شاذ لا يكاد يعرف. وقد جَمَعُوا فَعْلًا على فُعْلٍ فقالوا: ثَطّ وثُطّ، وجَوْن وجُون، ووَرْد ووُرْد. وقد يكون رُهُن جماعةً لالرِّهانِ كأنَّه جمع الجَماعة ورِهان أَمْثَلُ من هذا الاضطرار. وقد قالوا: سَهْم خَشْن في سِهامٍ خُشْنٍ. خفيفة. وقال أبو عمرو: قالت العرب: رُهُن ليفصلوا بينه وبين رِهانِ الخيل قال الأخفش: كلُّ جماعةٍ على فُعْل فإنَّه يقال فيها فُعُل.
وقال: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} وهي من أَدّى يُؤدِّي فلذلك هَمَزَ واؤْتُمِنَ همزها لأنها من الأَمانَةِ وموضع الفاء منها همزة، إلاّ أَنَكَ إذا استأنفت ثَبَتَتْ ألف الوَصَلْ فيها فلم تَهْمِز موضع الفاء لئلا تجتمع همزتان.
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}.
قال: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} جعله بدلا من اللفظ بالفعل كأنه قال: اِغْفِر لنا غُفْرانَكَ رَبَّنا ومثله سُبْحانَكَ إنما هو تسبيحَك أي نسبحك تسبيحَك وهو البراءة والتنزيه. اهـ.